الاثنين، 17 أغسطس 2015



حصد
مالت الشمس نحو الغروب .ومن بعيد تقدمت قافلة الجمال ببطء ، تحت وطأة حملها الثقيل من الأطعمة والغلال ، وراح رجل على ظهر جمل قوي يجول ببصره في الأفق ،ثم نظر لرفيقه الشاب على جمل بجواره ، وناقشه في شيء ما ، ثم صاح في مرافقيه:
-       تحركوا يا رجال. يجب أن نصل لما وراء تلك التلة. سنخيم هناك الليلة .
-       ودون كلمة أخري ، تقدمت القافلة نحو هذا المكان ، وحين وصلوا إليه قال الرجل .
-       هيا بسرعة سيحل الليل ويجب أن نكون قد أنهينا إقامة المخيم قبل الظلام الدامس .
وكخلية نحل عمل الجميع بسرعة فائقة ، لكي ينهوا الأمر قبل حلول الظلام وحين أتي، كان الجميع قد أتم عمله ، وأشعلوا ناراً كبيرة في وسط المعسكر ، ساعدت هي والبدر على إنارة المعسكر بأكمله فقال الرجل لأتباعه:
- أطعموا الجمال واسقوهم... أمامنا طريق طويل غداً.
وأشرف بنفسه على بدء العمل وأمر بعض العمال بإعداد طعام العشاء ، ثم ذهب إلي حيث توجد خيمته أمام النار وجلس على بابها ، ومال على رفيقه الشاب وقال:
-       حسناً.... ما رأيك يا بني أليس عملنا رائعاً.
اكتفي الشاب بالابتسامة في حين تابع الرجل:
-       إنه مرهق بالتأكيد, ولكن ما نحصل عليه من مال لقائه يزيح كل تعبنا جانباً.
ثم نظر إلي ابنه وقال:
-       ماذا هناك أتريد لعب دور الفتي الغاضب هذه الليلة، حسناً لك هذا.
ثم عبث ببعض حبات الرمل أمامه وقال:
-       أعلم لماذا أنت غاضب ولكن هذه هي الحياة يا بني.... فرص .. ولا شيء غير الفرص .... هناك من يغتنمها وهناك من لا يفعل .... وأنا قررت أن أكون من النوع الأول. ثم ما الشيء الخاطئ فيما أفعله..... إنني أنقل الطعام من السويس عبر صحراء سيناء إلي الجيش الانجليزي في فلسطين .أنت تقول أنني بلا مبدأ وأنني كنت أفعل نفس الشيء لصالح الجيش التركي. وكنت أنقل الطعام من غزة إلي سيناء ، حين كان يحتل سيناء في بداية هذه الحرب. هذه هي الحياة يا بني وأنا أريد عمل ولا شأن لي بالسياسة.. بالأمس كان الأتراك يسيطرون على مكان عملي واليوم طردهم الانجليز إلي خارج مصر وأصبحوا يسيطرون على مكان عملي, فأصبحت أعمل معهم. ولو جاء الألمان فسأفعل المثل أو الروس أو حتى الجيش المصري.. إنها الحرب يا بني. حرب عالمية. العالم كله أصيب بالجنون وأصبح يحارب بعضهم البعض. أي عقل هذا الذي تريدني أن أتحلى به وسط هذا الجنون. أنت تقول أن عملنا يجب أن يقتصر علي الأتراك لأنهم علي نفس ديننا, ولكن ديننا لا يمنع التعامل مع من يخالفنا في العقيدة.
نظر له الشاب فقال الرجل:
- آه نسيت يا صاحب الإجابات السريعة, لقد قلت لي إن هذا في وقت السلم أما في وقت الحرب فهذه خيانة.
قالها وأراح ظهره للوراء ، على عمود يسند الخيمة وقال:
-       إن أمامك الكثير لتتعلمه يا بني, وأوله اغتنام الفرص ، نعم يا بني الفرص ولا شيء سواها، هي من يحدد من على صواب ومن على خطأ. من اغتنمها  فهو على صواب ومن لم يفعل فهو على خطأ.
ثم اعتدل وقال:
-       طوال عمرك يا بني وأنا أحاول زراعة حب اغتنام الفرص داخلك أنت وإخوتك ، ولكنكم خذلتموني دوماً.
ثم هز رأسه ساخطاً وقال:
-       أنتم وأخلاقكم الرفيعة هذه.
ثم نظر لابنه وقال:
-        أتعلم أنت السبب. أنت من يقود أخوتك في هذا. إنهم صغار ويطيعونك في كل شيء وأنت مثلهم الأعلى. الأخ الذي لا يخطيْ ولا يتوقع أحد منه أن يخطيْ. ولكنك في الحقيقة السبب في فشل جهودي هذه .. ولكن لا بأس ... مجيئك معي هذه المرة سيفتح عقلك على العالم الحقيقي, وسيجعلك تري الأمور كما أراها.
ثم لمس ركبة ابنه بيده وقال:
-       أتعلم... سأبدأ من الآن في تعليمك ... وإليك الدرس الأول.
المال يا بني هو الصواب. نعم الغني دائماً علي صواب والفقير دائماً على خطأ هذا هو تعريفي للصواب والخطأ, وتعريف كل من حولنا للخطأ والصواب. والآن هل نحن أغنياء ... لا ولكننا على الطريق ما دمنا نغتنم مثل هذه الفرص، لنقل الطعام عبر دروب الصحراء بعيداً عن كمائن الجيوش. إن المال الذي يعطيه إيانا الإنجليز لجد كثير... ولن ننال مثله إذا تاجرنا في الفتات الذي تريدنا أن نتاجر فيه .
ثم قال بتهكم:
-       تريدنا أن ننقل الحبوب من القاهرة إلي أهالي سيناء. أي مال سنكسب من وراء هذا ... لا شيء ... اسمع يا بني . لقد كان حصولي على امتياز نقل الطعام هذا فرصة عمر بالنسبة لي، ولن أسمح لأحد أن يقف في طريقي. أتعلم لقد كانت المنافسة حامية، ولكنني لم أتورع عن الوشاية بالمنافسين والإيقاع بهم، وإبلاغ السلطات ببلاغات كاذبة عن تعاونهم مع الأتراك. وهو نفس ما فعلته حين كنت أنقل الطعام للأتراك. وشيت بالمنافسين وادعيت بأنهم يتعاونون مع الانجليز.
  هذا ليس كذباً يا بني. انه اغتنام للفرص .
نظر له الشاب فقال له الرجل:
-       أعلم ما تفكر فيه. وأنه من العار أن أقوم بإيذاء أحد، لكي أحصل أنا على منفعة. ولكن صدقني يا بني، أنا لم أقوم بإيذاء أي أحد. من اعترض طريقي هو من آذي نفسه وليس أنا. يجب على الجميع أن يفسحوا الطريق لي وإلا فسينالهم ما لا يرضيهم. إنها حياة يا بني على الأقوى فيها أن ينتصر، وإلا فهذا دليل علي ضعفه. تذكر هذا جيداً يا بني أنا لم آذي أحداً. من اعترض طريقي هو آذي نفسه، ومادمت سأحصل على منفعة من وراء عمل ما فلا توجد قوة على ظهر الأرض يمكنها ردعي، ولن أسمح لأي شخص كان مهما كانت درجة قرابته منى بأن يقف في وجهي. سأحصل على ما أريد مهما كلفني الأمر. لا تهمني كرامة أو صداقة ما يهمني هو المصلحة .
نظر له الشاب متأملاً لبعض الوقت. كان هذا حين سمعا دوى أول طلقة .....
***********
بحركة لا إرادية انبطح الرجل وابنه أرضاً ثم رفع الرجل رأسه والرصاص يتطاير من فوقه وقال:
-       هجوم يا رجال... قطاع طريق... تصدوا لهم.
سرعان ما حمل الرجال بنادقهم وبدءوا في إطلاق النار على مهاجميهم. وزحف الرجل نحو خيمته وحمل بندقيته وقذف لابنه ببندقيته هو الآخر وهو يقول:
-       هيا يا بني لندافع عن مالنا....
وبدءا في إطلاق النار. وحين بدأ مهاجميهم في الاقتراب صرخ الرجل:
-       الرشاش يا رجال... جهزوا الرشاش للعمل.... سننال منهم.
ثم نظر لابنه وقال:
-       هدية صغيرة من أصدقائنا الانجليز يا بني. احدي فوائد التعامل معهم. قد أعطوني رشاشاً آلياً للدفاع عن قافلتي.
جهز الرجال الرشاش ووضعوه على حامله، وركبوا سير الطلقات بدأ أحدهم في إطلاق النار بكثافة على دفعة من اللصوص، فأودي معظمهم قتلي وتفرق باقي اللصوص، فهتف الرجل:
-       مرحي لقد آتي الرشاش بثماره..... تفرقوا يا أوغاد.
ثم عاد ليطلق النار.... في حين التف بعض اللصوص حول المعسكر محاولين مهاجمته من الخلف، فهتف الرجل:
-       انتبهوا يا رجال. يريدون مغافلتنا ليسرقوا الجمال.
ذهب بعض الرجال ليصدوا الهجوم فيما بقي البعض الآخر في مكانه. ولكن اللصوص  زادوا من ضغطهم. وأطلق أحدهم النار على ضارب الرشاش فأرداه قتيلاً، فأسرع الرجل نحو الرشاش ليطلق النار منه. وهنا تمكن بعض اللصوص من سرقة بعض الجمال، وربطوها بجمالهم وفروا هاربين وتبعهم بعض اللصوص، فأسرع الرجل نحو مكان السرقة وتفقد ما سرق ثم هتف:
-       اللعنة. لقد سرقوا خمسة جمال بحمولتهم.
ثم نادي على ابنه وقال:
-       بني... هلم لنلحق بهم.
لحق به ابنه وحمل كلاً منهما بندقيته وفانوس يعمل بالجاز، وركب كلاً منهما جمله وقال الرجل لرجاله:
-       ابقوا هنا وانتبهوا جيداً ربما كانت خدعة منهم، حتي يعاودوا الهجوم بعد قليل.
ثم انطلق بجمله واتبعه ابنه وتوغلا في الصحراء بحثاً عن اللصوص والتفت الرجل خلفه إلي حيث جمل ابنه وقال:
-       أسرع يا بني قبل أن يبتعدوا كثيراً.
وهنا نادي عليه ابنه وقال كلمة واحدة:
-       أبــــى.......

نظر له والده. ثم ما لبس أن شد لجام جمله فتوقف. ووقف هو الآخر ساكناً للحظات في ذهول.
فأمامه كان ابنه على ظهر جمله شاهراً بندقيته، موجهاً إياها نحوه. ولثواني ظل الوضع كما هو. وكانت هذه الثواني كافية لكي تتضح الحقيقة كاملة للرجل....
إن موافقة ابنه علي العمل معه، لم تكن خطوة على طريق الاعتراف بمبادئ أبيه. بل انغماس كامل في هذه المبادئ. فقد خطط الشاب لكل شيء من البداية. وكان سيجد طريقة أو أخري لينفرد به خلال الرحلة، ولكن مطاردتهم للصوص هذه كانت فرصة سانحة للغاية ، لينفذ ما يريده ويرديه قتيلاً....
هكذا بدون شهود أو إثبات على عكس ما سيدعيه حتماً بأن اللصوص قتلوا أباه. و يا لها من فرصة... نعم فرصة..... أليست هذه فرصة رائعة. لقد تحول الأب الذي غرس في أبناءه حب استغلال الفرص إلي فرصة... مجرد فرصة... فرصة سانحة أمام ابنه للثراء... فبالتأكيد سيسيطر الابن على كل شيء بعد موته، لأن أخوته صغار....
وفي سخرية قال الرجل:
-       لن أسمح لأي شخص مهما بلغت درجة قرابته بأن يقف في وجهي. سأحصل على ما أريد مهما كلفني الأمر.
أومأ الشاب رأسه إيجاباً.
فضحك الرجل وقال :
-       هذه خطوة مذهلة... لم تكن متوقعة... ولكنها مذهلة....
لم يرد عليه الشاب وإنما ضغط الزناد.
وانطلقت الرصاصة لتخترق منتصف صدره. وترنح الرجل قليلاً و....
وهـــــوى
لم يهوى من فوق جمله فحسب. بل هوى من مجده... هوى من غروره... هوى من.... ....فرصه....
وحين كان ملقي على الأرض، شعر بشعور غريب لم يشعر به من قبل ولم يعرف ما هو بالضبط حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. هل هو شعور بالآسي على ما آل إليه مصيره. أم انه الفخر لأن ما علمه لابنه لم يذهب هباءَ. وأن ما زرع قد...
حصــــد
...........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق