الكريستالي
حين يجن اليل.... ويخلد الجميع للراحة يبدأ
عذاب هذه الفتاة.......
منذ أن علقها علي الحائط لم يكن يقلقها، سوي
هذا التمثال الصغير... تمثال كريستالي لرجل هندي يركب فيل...
يبدو ظريفاً ولكن في الحقيقة، لو دققت في
ملامحه، ستجد الشر المطلق...
هذه حقيقة تعرفها جيداً هي وباقي ألعاب هذا
الشاب، والتي يحتفظ بها منذ طفولته... تذكرت أول مرة رأت فيها الشاب، حين قطعها من
مجلة للمشاهير. بدت له وقتها – نظراً لسنه - كنزاً صغيراً.
مجرد صورة لمغنية أجنبية بملابس البحر، ظل
محتفظاً بها طوال فترة مراهقته، يختلس النظر لها بين الوقت والآخر. وكان يسعدها أن
تكون حبيبته المجهولة. ولكن بعد أن كبر وصار في الجامعة. علقها في غرفته بالمدينة
الجامعية.
أصدقائه يتندرون عليها، ويلقون علي مسامعها
كلمات خادشة لم تعهدها. ولكن ما ضايقها حقاً أنه علقها من باب الزينة لا أكثر، ولم
يعد يهتم بها مثل ما سبق.... لقد أصبحت بمثابة صورة لحبيبة المراهقة ليس إلا..
كانت الأمور تسير علي ما يرام، في الترم
الأول للجامعة، ولكن بعد اجازة نصف العام أحضر الشاب تمثالاً سخيفاً، لرجل هندي
يركب فيلاً، ومصنوع من الكريستال.
لم ترتح له من أول نظرة. وحين جن الليل كانت
الكارثة....
حين تتحرك ظلال الألعاب في الظلام، تحرك ظل
الكريستالي نحوها... تحسس طريقة وسط الظلام نحو جسدها.
حاولت إبعاده في أول ليلة، ولكن دون جدوي...
هي ليست مثله. إنها صورة مفلطحة، وظلها ضعيف للغاية، لا يقوى علي مقاومته.
وحين أتم ما أراد، عاد ظله لمكانه حين طلعت
الشمس.
كم بكت بعدها... ولكن ما أبكاها أكثر أنها
تكررت في كل ليلة بعدها.
حاولت ظلال الألعاب حماية صديقتهم ولكنهم
فشلوا... ظله أقوي وأصلب منهم، فهم مصنوعون من الصوف والقطن أما هو فصلب.
ومن بعدها أصبح الليل بالنسبة لها أسوأ أوقات
اليوم. حين تهرب ظلال باقي الألعاب، بعيداً عن صراخ الفتاة وهي تغتصب من ظل
الكريستالي.
واستمرت الحياة علي هذا المنوال المحزن.. في
الليل تتعرض للاغتصاب، وفي النهار تقف
الفتاة شبه عارية أمام الجميع بمن فيهم مغتصبها،
حتي جاء هذا اليوم.
حين أتي الشاب بلعبة صغيرة أعجبته. واضح من
اهتمامه بها أنها من أحلام طفولته، التي أراد تحقيقها.
كانت اللعبة عبارة عن لاعب كرة بلاستيكي يركل
كرة بقدمة... وضعه الشاب في رف فوق الكريستالي في مواجهة الصورة مباشرة علي أحد الأرفف...
أعجبها من أول نظرة، وبدا واضحاً أنه معجب بها هو الآخر..... فرغم خجله لم يكف عن
استراق النظر لها.
وحين أتي الليل تحرك نحوها ظلان هذه المرة...
تحرك اللاعب أولاً وتوقف ظله أمامها، وبدأ في جذب أطراف الحديث معها... ولم تكد
تبادله الحديث، حتي تلقي لطمة من خرطوم فيل الكريستالي، وسمعه يقول:
- عد لمكانك أيها الأحمق.
وبدأ في لمس الفتاة وكأن أحداً لا يراه، فما
كان من اللاعب إلا أن ركل كرته بقوة، لتصدم برأس الكريستالي وهو يهتف:
- ماذا تفعل يا هذا...... أتركها.
صرخت الفتاة وهي تتوسل للاعب أن يساعدها،
فقال لها:
- اطمئني..... لن يلمسك هذا الوغد ثانية.
التفت الكريستالي وقال بحنق:
- أيها المجنون... إنها لي منذ زمن... وستظل
كذلك.
ودارت بينهما معركة حامية، استخدم فيها
الكريستالي خرطوم فيله، بينما أثبت اللاعب مهاراته في ركل الكرة، في وجه
الكريستالي وأسفل أقدام الفيل ليجعله يتعثر ويسقط أرضاً. وانتهت المعركة عند الفجر
بدون فائز أو مهزوم.
ولأيام كثيرة تالية. كانت الأمور تسير علي
هذا المنوال.
بالنهار يقف الجميع صامتين، وفي الليل معركة
حامية تنتهي بانتصار اللاعب مرة والكريستالي مرة أخري.. ولكنه حين ينتصر لا يمكنه
لمس الفتاة. حيث تتكاتف باقي ظلال الألعاب لإبعاده بعد أن يصبح ظله ضعيفاً من أثر المعركة.
وهكذا نجت الفتاة من سيطرة الكريستالي، وأصبح
لها بطلاً جديداً وحباً حقيقياً، وأصبحت تستمتع بلحظات النهار، وهي تقف خجلي أمام
حبيبها، وتنتظر الليل لتستمتع بصحبته، ولكن الكريستالي لم يرضى بهذا، وبدا في
التفكير في الإطاحة باللاعب.
كان يعلم مدى قوته جيداً... وأنه يمكنه فعل
الكثير بجسده، ويوماً بعد يوم، ويوما بعد يوم لم يكن ظله يتعرض للفتاة... فقد كان
مشغولاً بهدف آخر....
كان ظله يحرك جسده في المساء قليلاً كل يوم،
ملليمتر في يوم وملليمتر في يوم آخر..... كان هدفه الوصول لبقعة علي الرف يصل
إليها الضوء من بعد العصر....
كانت خطته هي عكس الضوء علي اللاعب، لكي
يقتله ويتخلص منه نهائياً، ولم يكن اللاعب أو الفتاة علي دراية بما يحاك لهما، فقد
كانا غارقين في حبهما العذري.
وبعد عدة أيام نجح الكريستالي في مسعاه، وحين
حل العصر كانت زاوية الشمس تسمح لأشعتها بالوصول له. لذا فقد حرك أشعتها داخل
جسمه، لتخرج منه لأعلي وتسلط علي اللاعب.
أحس اللاعب بالألم، وحاول المراوغة، ولكن كان
الوقت قد فات، فقد احترق جزء من القاعدة التي يقف عليها اللاعب، وأدرك أنه سيسقط
لامحالة. ربما تحطم، أو لن تعود له قيمة فيلقي به الشاب في النفايات، ولكنه قبل أن
يسقط فعل أفضل مناورة يمكن للاعب كرة أن يفعلها في حياته.
لقد تحرك في الهواء ليسقط فوق الكريستالي
مباشرة.
وسقطا معاً.......
وتحطمت اجزاء من الكريستالي بينما خفف من
سقوط اللاعب أنه سقط فوقه، وحين عاد الشاب في المساء، ووجد الاثنان أرضاً، لم يفهم
ما حدث ولا كيف احترق اللاعب، ولكنه رفع اللاعب فوق الرف وجمع أجزاء الكريستالي
وقام بلصقه، ووضعه علي حرف النافذة ليجف.
ومرت الليلة سوداء علي الكريستالي.... فقد
أدرك أن ظله تحطم معه، ولم تعد له قوة تذكر. أما الفتاة فقد قضت ليلتها تطبب ظل
اللاعب حين أتى لها.... وفي الصباح أدرك الكريستالي أنه قد خسر الحرب.... لذا لم
يجد بداً من الانتقام.
انتقام يجعل الكل خاسراً..... لذا استغل
وجوده علي النافذة، وبمجرد أن تحولت الشمس عن كبد السماء، في فترة الظهيرة وسقطت
عليه مباشرة، حتي حرك الضوء داخله، ليسقط هذه المرة علي الفتاة.
وبعد ثواني كانت بقعة سوداء تتكون علي الورقة
المعلقة.... لم نفهم الفتاة ما يحدث في البداية، فقط أحست بحرارة شديدة، ثم سرعان
ما تعالى صراخها بعد بدأت النار تشتعل فيها، ولكن أحداً لم يحرك ساكناً.
وأمام عيني اللاعب رأى حبيبته وهي تحترق
تماما ولو دققت في ملامحه لرأيت أقصي أنواع الأسى، وإذا دققت في ملامح خصمه لوجدت
ضحكة شيطانية ، ولكن ملامحه لم تلبث أن تبدلت بعد أن استجمع اللاعب كل قوته ليحرك
ظله نهاراً، ويركل كرته بكل قوة لتصطدم به، وهوي الكريستالي من النافذة بلا
رجعة......
هوى مباشرة علي الأرض، ليتهشم تماماً هذه
المرة.....
لقد نال الكريستالي جزائه.... ولكن ما الفائدة.....
ما الفائدة..........
..........
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق