كهول
فكر في أنه حل مؤقت ،حتي يحصل علي عمل مناسب.
لذا قال بعد تردد:
-لابأس يا حاج . قبلت بالأمر.
ابتسم الكهل وقال له:
- حسنا سنبدأ من الغد يا بني.
عمره قد قارب الثلاثين. تخرج منذ قرون ولم يعثر علي أي عمل حتي الآن ، كان
كأي شاب آخر في عمره ، يجيد ما يفعله كل الشباب.
إضاعة زهرة شبابه بلا فائدة.
لذا في الصباح التالي وقف الشاب أمام مدخل عمارة قديمة ، دخل من الباب ودق
جرس الطابق الأرضي، فخرج له الكهل وقال له:
- مرحبا يا فتحي......... تفضل يا بني.
دخل فتحي متردداً، فأشار له الكهل بالجلوس وقال له:
- تفضل يا بني ....استرح أولاً.
جلس فتحي صامتا . وبعد فترة جاء له الكهل وقال له:
- اعتبر نفسك في منزلك منذ الآن. واعتبرني كوالدك رحمة الله عليه.
قال له الفتي مجاملا:
- طبعا يا حاج سالم. سأكون عند حسن ظنك إن شاء الله.
قال له الحاج سالم:
- بارك الله فيك يا بني . إن عملك هنا بسيط للغاية، فنحن أربعة كهول انقطع
عنا الأولاد وماتت زوجاتنا منذ فترة طويلة. كنا أصدقاء في بلدنا ولكننا اضطررنا
للرحيل عنها لظروف خاصة، وجئنا إلي هنا وسكنا في هذا المنزل القديم.
ولكننا كبرنا يا بني. ولم يعد في مقدورنا الخروج كل يوم لجلب متطلبات
المنزل والطبخ وخلافه. كما انه ليس من مكانتنا ان نزاحم في الأسواق.
قال الشاب:
- بالتأكيد يا حاج.
قال الحاج سالم:
- يا بني. إن كل هدفنا هو الانقطاع للعبادة، في أيامنا الأخيرة. نقضي
أيامنا في الذكر، وليالينا في القيام. ستجد هنا من الروحانيات، ما يحتاجها أي شاب
في عمرك يا بني.
أنا أعرف مدي تدينك، حتي بعد وفاة والدك وأنت طفل صغير. لقد سألت عنك وعرفت
كل شيء عن نشأتك الصالحة، فلقد لفت انتباهي
ذهابك للجامع كل صلاة. لذا اخترتك انت بالذات.
كما أنك تستحق عملا، لتنفق علي والدتك. فلقد انهيت دراستك منذ وقت ليس
بالقصير.
قال الشاب بمرارة:
- طبعا يا حاج شكراً. منذ أن أتيتم إلي منطقتنا والجميع يشهد لكم بالتقوي
ويضربون بكم المثل في الطاعات.
ربت الشيخ سالم علي كتفه وقال:
- اعتبر اليوم اجازة مدفوعة الأجر. ستجلس معنا لتتعرف علينا عن قرب،
ولنتعرف نحن عليك أيضا، ومن الغد يبدأ العمل.
وهكذا قضي الشاب يومه في التعرف علي الكهول الأربعة. سالم وخالد ونوح وعبد
الباقي.
كان الأخير كسيحاً يسكن الطابق الأرضي مع سالم، أما خالد ونوح فيسكنان في
الطابق العلوي.
كان العمل المطلوب بسيطاً. فقط عليه إحضار الطعام وطهوه.
هو ليس طباخا ماهرا، ولكنهم لا يطلبون الكثير. فقط المعكرونة أو البطاطس
المقلية وبجوارها أي شيء يؤكل. أما مسألة تنظيف المنزل فكانت تقوم بها امرأة فقيرة
تأتي اليهم بين وقت وآخر.
............
ومرت الأيام تتوالي، وتفاني فتحي في عمله، بعد أن أحس بالطمأنينة بين
الكهول الأربعة. كما انهم – والحق يقال – يدفعون جيدا، بالنسبة لعمل بسيط كهذا،
حتي بدأت آثار النعمة عليه، فابتاع هاتف محمول مستعمل ساعده في الاتصال بالكهول
وبعض الملابس الجديدة، واشتري لأمه بعض الأغراض، وسدد ديون قديمة للبقال وخلافه
علي مر الشهور القليلة التي قضاها في العمل. وفي احدي الليالي قال فتحي لأمه:
- غدا يا أمي سأذهب للعاصمة... هناك عمل سأقوم به لحساب الحاج سالم. سأذهب
لأحد أقاربه لقضاء بعض المصالح، وسأبيت عند قريبه هذا واعود في اليوم التالي.
قالت له امه:
- تعود بالسلامة يا ولدي.
وفي فجر اليوم التالي استعد الشاب ليستقل القطار. وبعد ركوبه له بوقت قصير،
رن هاتفه المحمول.
كان رقم الحاج سالم، فأسرع بالرد عليه فقال له الحاج:
- يا فتحي لقد نسيت امراً هاماً... هناك اوراق لابد من حملها لقريبي هذا،
ولن تتم المصلحة بدونها عد فورا يا بني.
قال فتحي بانزعاج:
- ولكني الآن في القطار يا حاج و...
قاطعه الحاج سالم قائلا:
- عد بأي شكل يا بني. انزل في المحطة التالية واستقل أول سيارة إلي هنا.
وعد بسرعة لتلحق بالقطار التالي. ولا تقلق فلازال الوقت مبكرا.
لم يكن امام الشاب سوي إطاعة امره. وبعد فترة من الوقت كان يقف أمام مدخل
المنزل القديم.
كان الوقت لايزال باكرا. والشوارع شبه خالية. لذا دخل للمنزل بسرعة بعد
قرعه للجرس فاستقبله الحاج سالم وقال له:
- آسف يا بني. إنه خطئي.
قال الشاب:
- لابأس يا حاج لابأس:
أشار الحاج سالم لمظروف مغلق علي احدي الطاولات وقال:
- هذا هو المظروف. وبه كل الأوراق المطلوبة، ولكن اجلس قليلا لتتناول
إفطارك. لقد أعددت لك الشطائر بنفسي، والوقت لايزال باكراً علي موعد القطار
التالي.
تردد الشاب قليلا، ثم جلس ليأكل الشطائر بعد إلحاح الحاج، الذي قال له:
- سأسرع بإعداد الشاي حتي، لا تتأخر عن موعدك.
وحين عاد الحاج سالم بالشاي كان الأمر قد تم.
لقد غط الشاب في نوم عميق... بفضل المنوم.
..............
لم يدري الشاب كم لبث من الوقت، وهو في غيبوبته. ولكنه أحس بأنه هناك منذ
وقت طويل...فقد كان يشعر بالألم في كل أنحاء جسمه، كما أن نومه صاحبه استيقاظ
للحظات علي ألم رهيب في بدنه. ثم تخمد حركته ويعود لنومه.
وحين افاق تماما تطلع للغرفة من حوله.... انه في البدروم.... لقد رأي تلك الحجرة
من قبل.....ماذا يفعل هناَ؟
حاول النهوض، فقط ليكتشف انه كبل بإحكام من زراعيه وقدميه، علي احدي
الطاولات.
هنا قال له الحاج سالم:
- هل استيقظت يا فتحي. هون عليك يا فتي ولا تخف.
نظر فتحي نحو الحاج سالم بارتياع. فلولا الصوت والملابس ما عرفه. فلقد بدا
وكانه أصغر بعشر سنوات علي الأقل.
حاول الصراخ، ولكن الحاج سالم كان أسرع منه وسد فمه وقال:
- لالا يا بني... لا تفعل هذا.
قال الحاج خالد:
- ألم أقل لك... علينا تكميم هذا الشاب.
قالها وأبعد الحاج سالم، ووضع شريط لاصق علي فم فتحي، فقال الحاج سالم:|
- عذراً يا بني. لقد اخترناك بعناية. فلا أهل لك إلا أمك، وهي امرأة عجوز
لا تقوي علي الخروج من المنزل، لذا لن يبحث عنك احد باهتمام. أما نحن فسنرحل من
هنا عند منتصف الليل، ولن يكتشف أحد انك مفقود حتي الغد. ووقتها نكون قد رحلنا
بعيدا. سنذهب لبلدة اخري، لنبحث فيها عن شاب آخر يجدد شبابنا بواسطة طقوسنا
السحرية.
ثم ربت الحاج عبد الباقي علي كتف فتحي، وقال له:
- أما انت يا مسكين فلن تعيش طويلا. فلقد حصلت منا علي كل شيخوختنا وحصلنا
نحن علي كل شبابك.
وامام عينا فتحي الذاهلتين، أنزل عبد الباقي قدميه من علي الكرسي المتحرك،
ثم انتصب قائما. والتفت للحاج سالم وقال:
- لقد قلت لك أن تبحث عن شاب أصغر سنا. ربما في العشرينات. لازالت قدماي
تؤلماني حين أسير.
هنا قال الحاج نوح:
- هيا يا رجال. فلنعد حقائبنا ولنبحث عن بلدة اخري بها حمقي آخرين.
...........
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق